الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
203
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ عطف على وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ فهو من تمام ما جاء تفسيرا ل أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [ هود : 1 ] وهو مما أوحي به إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يبلغه إلى الناس . وتولوا : أصله تتولوا ، حذفت إحدى التاءين تخفيفا . وتأكيد جملة الجزاء ب أَنِ وبكون المسند إليه فيها اسما مخبرا عنه بالجملة الفعلية لقصد شدة تأكيد توقع العذاب . وتنكير يَوْمٍ للتهويل ، لتذهب نفوسهم للاحتمال الممكن أن يكون يوما في الدنيا أو في الآخرة ، لأنهم كانوا ينكرون الحشر ، فتخويفهم بعذاب الدنيا أوقع في نفوسهم . وبذلك يكون تنكير يَوْمٍ صالحا لإيقاعه مقابلا للجزاءين في قوله : يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ، فيقدّر السامع : إن توليتم فإني أخاف عليكم عذابين كما رجوت لكم إن استغفرتم ثوابين . ووصفه بالكبير لزيادة تهويله ، والمراد بالكبر الكبر المعنوي ، وهو شدة ما يقع فيه ، أعني العذاب ، فوصف اليوم بالكبر مجاز عقلي . [ 4 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 4 ] إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 4 ) جملة في موضع التعليل للخوف عليهم ، فلذلك فصلت . والمعنى : أنكم صائرون إلى اللّه ، أي إلى قدرته غير منفلتين منه فهو مجازيكم على تولّيكم عن أمره . فالمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . وهو مستعمل كناية عن لازمه العرفي وهو عدم الانفلات وإن طال الزمن ، وذلك شامل للرجوع بعد الموت . وليس المراد إياه خاصة لأن قوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أنسب بالمصير الدنيوي لأنه المسلّم عندهم ، وأما المصير الأخروي فلو اعترفوا به لما كان هنالك قوي مقتض لزيادة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وتقديم المجرور على عامله للاهتمام والتقوي ، وليس المراد منه الحصر إذ هم لا يحسبون أنهم مرجعون بعد الموت بله أن يرجعوا إلى غيره . وجملة : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ معطوفة على جملة : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ، أي